إشكالية غياب المستقبل في مقدمة ابن خلدون

اليمدا بوست-عباس عبد جاسم

على الرغم من أن مقدمة ابن خلدون قائمة على دمج الماضي بالمستقبل في مفهوم زمني هو «مستقبل الماضي» فإن هذه الورقة تنطلق من فرضية قائمة على إن «المستقبل» غائب في «المقدمة» لهذا انبنى على أفعال مبنية للمجهول.

وإن كنا لا نسعى إلى تخطئة مَنْ قدّم قراءة للزمن في مقدمة ابن خلدون من خلال إعادة المستقبل إلى الماضي، في سياق دائري؛ فما إشكالية غياب المستقبل في تاريخ «المقدمة»؟ وإن كان ابن خلدون لم يتبن «الزمن الدائري الذي يتعارض كليا مع فكرة التقدم، أو الامتداد الأفقي؛ فهل أراد من إخضاع المستقبل للماضي أن ينفي فكرة التقدم؟ من هنا نوجّه عناية القارئ إلى إن ابن خلدون، لم يؤكد أو ينفي بأن مسار التاريخ يتحرّك في سياق دائري، لأن ذلك لا يعدو أن يكون مجرّد استنتاج من «الدورة العصبية» التي أخذ بها. وإن كانت إشكالية الزمن الدائري تنفي فكرة التقدم إلى أمام، فإن محمد الطالبي في كتابه «ابن خلدون والتاريخ» رأى أن مَن تبنى هذه الفكرة أخطأ في مفهوم التاريخ عند ابن خلدون، لأن التاريخ «لا يسير في حلقة مفرغة مع فكرة التقدم، بل في شكل حلزوني: كل شيء في المقدمة يدل على الحركة والتغيّر والتقدم من جيل إلى آخر.

لهذا يستنتج الطالبي بأن أحوال العمران عند ابن خلدون ليست ثابتة، المجتمعات الإنسانية تسير في تطور مستمر حتى حين تنهار حضارة ما، تأتي أخرى، فتستثمر ما توصلت إليه سابقتها، لتتم المسيرة عبر التاريخ: مسيرة التطور الكوني، وما السقوط المتكرر للحضارات، إلاّ تعديل متكرِّر لمسار التطور ذاك» (ابتسام براح ـ مفهوم الزمن عند ابن خلدون).

إذن سواء جاء المستقبل في «بُعد حضاري أم بعُد زماني» فإن ما يعنينا أكثر: الكيفية التي انكفأ بها ابن خلدون على ذاته في «تشوّف المستقبل» ليتخذ من «الدورة العصبية» المفتاح الرئيسي لتدوير هذه الإشكالية من دون حل لها.

وإن كان محمد عابد الجابري، قد تنبّه إلى أن «المقدمة» ذات بُعد واحد، أي «البعد الذي يتحدّد بالاتجاه إلى الماضي والإعراض عن المستقبل» فإن المستقبل «كان غائبا تماما عن مجال اهتمامه، ولا نجد له أي أثر في تفكيره» (محمد عابد الجابري/ نحن والتراث).

إذن ما تفسير سكوت ابن خلدون عن المستقبل؟

وإن كان الجابري يرى أن سكوت ابن خلدون عن المستقبل «لم يكن مجرّد سكوت، بل عدم قدرة على الكلام» فانه لم يحدِّد: سبب (عدم قدرة) ابن خلدون (على الكلام) بوضوح ودقة. لقد افتقد ابن خلدون ـ القدرة على الكلام ـ بعد أن توجّس خيفة مما سيؤول إليه المستقبل من تفكّك وسقوط سياسي للدولة الإسلامية؛ لكن مما كان خائفا ؟ وممن؟ إذن فما الوجه الآخر من هذه الإشكالية؟ قبل الإجابة، فإننا إزاء «دورة عصبية» ناقصة للدولة، لكن ابن خلدون لم يسع إلى غلق النسق المنطقي لها، فجعل منها دورة مفتوحة على مستويات متعدّدة من التأويل. وإلا فما إشكالية غياب المستقبل في مقدمة ابن خلدون؟ وما تعليل انكفاء ابن خلدون على ذاته؟ هل جاء الانكفاء بسبب التوجس خيفة من الاضطراب السياسي؟ أم بسبب الفوضى الناجمة عن اختلال «الدورة العصبية» للدولة الآيلة للسقوط السياسي؟ وإن كانت هذه العصبية هي القوّة المحركة للتناصر والتعاضد، أو الدافعة للتنافس والتناحر، فإن الانحلال والتفكّك الناجم عن الترف والنعيم كان إيذانا بزوال الحكم واضمحلال الدولة، بل فساد العصبية نفسها.

لقد نشأت الدولة الإسلامية وتمأسست بالدعوة الدينية المتمّمة للعصبية القبلية، بقدر ما كان ضعف هذه الدعوة واضمحلال تلك العصبية سببا أساسيا في انهيار الدولة الإسلامية. وإن كانت الحضارة «غاية للعمران ونهاية لعمره، وإنها مؤذنة بفساده» ( إبن خلدون/ المقدمة) فإن انحلال العصبية أو ضعفها يؤدي إلى الهرم والاضمحلال، فقد شهد القرن الثامن الهجري ـ القرن الرابع عشر الميلادي؛ عصرا مضطربا، بدأ بتفكّك الدولة العربية الإسلامية، فاستنبط ابن خلدون من مفهوم العصبية القبلية أسباب قيام الدولة وزوالها في آن.

وعلى الرغم من أن «الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كان لها في عددها»( ابن خلدون/ المقدمة) فقد أدرك ابن خلدون استحالة عقلنة العصبية بالدعوة الدينية، حيث لم يعد في إمكان الدعوة الدينية تحرير العصبية من التبعية القبلية، خاصة بعد أن انقلب نظام الخلافة إلى تنازع حول «الملك» ولم تعد العصبية حامية لممالك الدولة، ما أدخل الدولة في طور التفكّك والاضمحلال.

لكن «الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم» (ابن خلدون) لهذا لم تعد الدعوة الدينية تمتلك القدرة على عقلنة العصبية القبلية أواخر الحكم العباسي/ فاختلّت عصبية الخلافة، حتى اختلطت الخلافة بالملك، لتتحول إلى ملك دنيوي محض، وبذا انفصلت الخلافة كليا عن معانيها الدينية لتختلط بأدوارها الدنيوية، خاصة بعد أن تخلّى (الأمويون) عن نظام الشورى في تعيين الخلافة، ثم تبعهم العباسيون، لتبدأ مرحلة جديدة من الخلافات والانقسامات السياسية في البلاد العربية الإسلامية. لكن قبل فساد عصبية الدولة واستيلاء الطوائف عليها، صارت الدولة العربية ثلاث دول: دولة بني العباس ودولة بني أميّة ودولة العبيديين، بل انقسمت دولة بني العباس إلى دول أخرى. وما يعنينا من كل ذلك: كيف اندمج الماضي بالمستقبل في مفهوم زمني هو «مستقبل الماضي»؟ وبمعنى آخر: ما السببية المحركة والدافعة لتغييب المستقبل؟

أراد ابن خلدون أن يتجنب المساءلة في تلك اللحظة التاريخية الملتبسة بتفكّك الدولة الإسلامية، وأن يمارس أسلوب «المكر الحميد» في تعمية المستقبل باستخدام أقصى سياقات الإزاحة في (التورية). لهذا بنى فكرة المستقبل في المقدمة على أفعال مبنية للمجهول، لأنه أراد أن يتجاهل (الفاعل) بذريعة عدم العلم به؛ بقصد التعمية والتعميم، أو الإضمار والإنكار، لتأمين «أمن اللبس» في اللغة، وهذا هو الوجه الآخر من هذه الإشكالية.

* ناقد وكاتب عراقي/ القدس العربي

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.